الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
16
تفسير كتاب الله العزيز
المكسورة ، لا بالتخفيف . وهنا يمدّنا أبو عبيد البكري « 1 » برواية لها وزنها في الترجيح ، وكأنه فعلا يأتي بالقول الفصل في كتابه : « فصل المقال » حين قال - وهو يشرح كلمة لمحكّم اليمامة : « وفي كتاب النسب للكلبي « 2 » : قيل له محكّم لأنّهم جعلوه حكما وحكّموه بينهم » . فإذا ثبتت هذه الرواية ، ولا أحسبها إلّا صحيحة ثابتة ، انتهى بنا المطاف إلى ترجيح تشديد الكاف المفتوحة في اسم محكّم الهوّاريّ . وهذا ما أميل إليه وأرجّحه . وأرى أنّه إمّا من قولهم : رجل محكّم ، أي : مجرّب ، منسوب إلى الحكمة ، كما قال الجوهريّ ، وأثبته الزمخشري « 3 » ، وإمّا لكون المسمّى بهذا الاسم سيّدا في قومه ، محكّما بينهم ، حقيقة أو تفاؤلا . والمعنيان يتعاضدان ويتكاملان ، فلكونه مجرّبا ذا حكمة حكّمه قومه ، فهو محكّم في الحالين « 4 » . إنّ محكّما الهواريّ معروف لدينا أكثر من ابنه هود . ذلك أنّ ابن الصغير - وهو قريب عهد بعصره - قد حفظ لنا نبذة عن حياته ومواقفه الجريئة في القضاء . فهو يصفه لنا قاضيا عدلا ، تقيّا ورعا ، قويّا في دينه ، متينا في أخلاقه ، يجهر بالحقّ ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، يتبيّن ذلك من خلال محاورة الإمام أفلح بن عبد الوهّاب « 5 » مع الذين رغبوا منه « أن يولّي القضاء من يستحقّ » . والذين « أجمعوا أمرهم على محكّم الهوّاريّ ، الساكن بجبل أوراس » . قالوا لأفلح : « قد تدافعنا هذا الأمر فيما بيننا ، فلم نرتض أحدا منّا . وقد ارتضينا جميعا بمحكّم ( كذا ) الهوّاريّ ، الساكن بجبل أوراس لخاصّتنا وعامّتنا ، وديننا ودنيانا . فقال أفلح : ويحكم دعوتم إلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ، ولكن هو رجل نشأ في بادية ، ولا يعرف لذي القدر
--> ( 1 ) أبو عبيد البكري ، فصل المقال ، ص 427 . وأبو عبيد البكري أديب ولغويّ ضليع . فمن مؤلّفاته : سمط اللآلئ ، وهو شرح لكتاب الأمالي لأبي عليّ القالي ، والتنبيه على أوهام أبي عليّ في أماليه ، وكتابه هذا : فصل المقال ، هو شرح لأمثال أبي عبيد القاسم بن سلّام . ( 2 ) لعله يشير إلى كتاب « النسب » لابن الكلبي الذي طبع أخيرا بالكويت طبعة جيّدة محقّقة . ولكنّني لم أجد هذه العبارة في هذا الكتاب ، ولعلّها في كتاب آخر أو لمؤلّف آخر . ( 3 ) الزمخشري ، أساس البلاغة ، ج 1 ص 190 ، والزمخشري ، الفائق في غريب الحديث ، ج 1 ص 303 . ( 4 ) ذكر لي بعض المشايخ أنّ الاسم قد يكون بتشديد الكاف المكسورة نسبة إلى المحكّمة الذين يقولون : « لا حكم إلا للّه » . وقد ورد هذا المعنى فعلا في بعض المعاجم ، وقد يكون له وجه من التأويل ، ولكنّي لا أراه وجها راجحا لأنّ الاسم كان موجودا قبل قضيّة التحكيم . ( 5 ) ابن عبد الرحمن بن رستم ، ثالث الأئمّة الرستميّين ، بويع إماما بعد وفاة أبيه سنة 208 / 823 .